ورقة حقائق واقع الاقتصاد المحلي في قطاع غزة في ظل جائحة كورونا

مقدمة:

إن الحق في العمل يعد من أهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والذي كفله العديد من الاتفاقات والمواثيق الدولية وكذلك القوانين الوطنية، التي تؤمّن من خلالها للفرد الحد الأدنى من المستوى المعيشي اللائق؛ وذلك لتلبية حاجاته الأساسية وضمان تحقيق الاستقرار في المجتمعات البشرية، ومع ظهور وباء كورونا المستجد في بداية عام 2020، وانتشاره بشكل سريع على مستوى العالم، بدأت الدول والحكومات باتخاذ إجراءات وتدابير احترازية من شأنها الوقاية من تفشي الوباء في مجتمعاتها، والحفاظ على سلامة مواطنيها.

إن القانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال "مبادئ سيراكوزا"، الذي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة عام 1984، والتعليقات العامة للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بشأن حالات الطوارئ وحرية التنقل، التي تلزم الدول بكل تقييد للحقوق بمراعاة الأثر الغير متناسب على المجموعات السكانية أو فئات مهمشة بعينها.

وبالنظر إلى دولة فلسطين فقد أعلن رئيس السلطة الفلسطينية حالة الطوارئ بتاريخ 5 مارس 2020، وتضمن القرار: منع الحركة بين المحافظات إلاّ في حالات الضرورة، إغلاق كافة المناطق السياحية والدينية، إغلاق كافة المرافق التعليمية من مدارس وجامعات ومعاهد ورياض الأطفال، إلغاء كافة الحجوزات للسياح في الفنادق، إلغاء كافة المؤتمرات في فلسطين، كما مُنعت الإضرابات والتحركات الجماهيرية في كافة محافظات الوطن.

 كما وأصدرت وزارة الداخلية في قطاع غزة قرارا بتاريخ 22 مارس 2020، مفاده: إغلاق صالات الأفراح، والأسواق الشعبية الأسبوعية، وبيوت العزاء، وصالات المطاعم والمقاهي، والمتنزهات، والاستراحات على شاطئ البحر، والمساجد، ومنع إقامة الحفلات، وتلاها إجراءات أخرى تختص بتعليق الدوام الرسمي لمعظم الوزارات وإغلاق كافة مؤسسات التعليم الأساسي والجامعي، وتأكيدها للجمهور الفلسطيني بضرورة التزامهم البيوت وعدم مغادرتها إلاّ للضرورة، وذلك باعتبارها إجراءات لابد من اتخاذها لمواجهة وباء كورونا المستجد، وتقليص مساحة انتشاره إلى اقصى درجة، للحفاظ على صحة وسلامة المواطنين في المجتمع الفلسطيني.

وبما أن الإجراءات المتعلقة بمواجهة جائحة كورونا، كان لها العديد من الآثار السلبية على جملة الحقوق والحريات العامة، وخاصة الحق في العمل؛ تأتي هذه الورقة لتستعرض واقع الأزمات على القطاع الاقتصادي وانعكاسه على العمال وهم الفئة الأكثر تضررا؛ إما بتسريحهم من العمل أو تقليص عدد ساعات العمل أو تخفيض أجورهم بما يمس بشكل مباشر قدرة هذه الفئة على الالتزام بالقيود والإجراءات الحكومية في ظل استمرار الأزمة.

وتؤكد هذه المعلومات المؤشرات الواقعية في قطاع غزة، عبر الحقائق التالية :-

1. الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة قد تدهورت إلى أسوأ المستويات بسبب الممارسات الإسرائيلية، ومنها الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنة 2007، وإغلاق جميع المعابر بين القطاع و"إسرائيل" ، هذا العقاب الجماعي الذي يشمل معظم النواحي الحياتية، الاقتصادية والاجتماعية والصحية، والذي أثر على جميع القطاعات الاقتصادية.

2. أمام الأوضاع الاقتصادية الصعبة في فلسطين عموما وفي قطاع غزة خصوصا، والاعداد الكبيرة للباحثين عن العمل من العمل والخريجين، حيث يعيش أكثر من مليوني نسمة أوضاعا معيشية صعبة جراء الحصار المستمر منذ نحو 13 عام، حيث بلغت نسبة البطالة 46% خلال الربع الثالث من العام 2019 , وفق الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، وبلغت هذه النسبة بين فئة الشباب 70.1%.

3. الإجراءات الحكومية لمواجهة جائحة كورونا شملت:-

- إغلاق كافة مؤسسات التعليم الأساسي والجامعي.

- الحد من التجمع في الأماكن العامة والأسواق.

- اغلاق أماكن الترفيه وصالات الأفراح.

- اغلاق المساجد ودور العبادة كافة.

- الحد من التنقل إلا للضرورة القصوى.

4. يمثل أصحاب العمل 3.4% من إجمالي العاملين في قطاع غزة، ويمثل العاملين لحسابهم نسبة 15.6% من إجمالي العاملين، بذلك يمكن تقدير أصحاب العمل والعاملين لحسابهم وأصحاب السيارات العمومي والباصات بلغ 41001.

5. تضرر عدد كبير من أصحاب العمل والعمال وأكثر القطاعات تضرراً كانت كالتالي[1] :

- قطاع النقل والتخزين والاتصالات (شركات النقل عامة، مكاتب السيارات –محطات الوقود – سيارات النقل والشاحنات – الاتصالات – السائقين)، وصلت حجم الخسائر اليومي في هذا القطاع إلى ( 235500) شيكل

- المطاعم والفنادق ( المطاعم , الفنادق , المقاهي , صالات الأفراح , المتنزهات والملاهي) وصلت حجم الخسائر في هذا القطاع إلى (217500) شيكل .

- قطاع التعليم والخدمات والفروع الأخرى (الجامعات، الكليات، المدارس الخاصة، المراكز المهنية , رياض الأطفال , المكتبات , المطابع ) وصل حجم الخسائر اليومي في هذا القطاع إلى ( 5273626.5) شيكل .

- التجارة (المحلات التجارية بشكل عام ) وصل حجم الخسائر اليومي في هذا القطاع إلى (379475) شيكل .

- قطاع الإنشاء (شركات المقاولات، عمال الإنشاء، تجارة مواد البناء، أعمال النجارة، اعمال السباكة , اعمال الحدادة , اعمال الكهرباء , أعمال الألمونيوم ) , وصل حجم الخسائر اليومي في هذا القطاع إلى (153320) شيكل .

- قطاع الزراعة والصيد (أعمال الزراعة، مهنة الصيد)، وصل حجم الخسائر اليومي في هذا القطاع إلى (124860) شيكل.

- قطاع التعدين والمحاجر والصناعات التحويلية، وصل حجم الخسائر اليومي في هذا القطاع إلى (176786.8) شيكل.

- تقدر الخسائر اليومية الناتجة عن تعطل أرباب العمل والعمال بـ (8611118.3) شيكل أي ما يعادل ( 2391977.3) دولار أمريكي.

6. في قطاع الفنادق والمطاعم هناك 3000 عامل تم تسريحهم من العمل، وهؤلاء العمال يعيلون ما يقارب 13500 فرداً من ذويهم[2] .

 

فإن مؤسسة الضمير في ظل الحقائق سابقة الذكر، تنظر بقلق شديد إلى حالة الاقتصاد المحلي والخسائر اليومية التي يتعرض لها في اللحظة الراهنة، دون وجود خطة استراتيجية حكومية واضحة ومحددة في التعامل مع التحديات الناتجة عن مخاطر انهيار القطاع الخاص، لاسيما في إطار التداعيات الجسيمة الماسّة بأهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الهشة العاملة في هذا القطاع، وهو ما يعطي مؤشرات خطيرة على المدى القريب والمتوسط في تهديد الاستقرار المجتمعي في قطاع غزة.

إن إلزامية الحجي المنزلي أظهرت عدم قدرة فئات عمالية واسعة على البقاء بالمنازل لارتباط معيشهم اليومي بالعمل منهم العاملون بالمحالات التجارية وعمال النظافة والحراسة.

ومن منطلق دعوة منظمة العمل الدولية للدول تبني سياسات واسعة النطاق ومتكاملة، تركز على أربع ركائز: دعم الشركات والوظائف والدخل؛ وتحفيز الاقتصاد وفرص العمل؛ وحماية العاملين في مكان العمل؛ واعتماد الحوار الاجتماعي بين الحكومة والعمال وأصحاب العمل لإيجاد الحلول[3].

لذلك لابد من وضع خطط حكومية تستجيب لتداعيات خطورة وباء كورونا المستجد على الاقتصاد المحلي، ووضعها موضع التنفيذ من خلال حزمة من الإجراءات الموازية للقيود المفروضة للحفاظ على الصحة العامة وسلامة المواطنين، في إطار المسئولية القانونية للجهات الحكومية في مواجهة الآثار السلبية على الاقتصاد المحلي وخاصة فئة العمال المشمولين في القطاع الخاص، إضافة الى فئة العمال الذين يمتهنون أعمالاً حرّة، وبشكلٍ غير منظّم، ويحصلون على أجرة يومية، وتوقّف العمل بالنسبة لهم يعني عدم وجود أيّ دخل مادي آخر، ولا حتّى تعويضات خلال الظروف الراهنة.

تطالب مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان الحكومة والمؤسسات المالية باتخاذ عدد من التدخلات والاجراءات تتمثل في التالي:-

-  تبنى خطوات مماثلة في دعم القطاع الخاص، لما تم اتخاذه في رام الله تقضي بدفع 50% عن رواتب مارس/آذار وأبريل/نيسان للعاملين بالقطاع الخاص، على أن يستكمل باقي الراتب عند انتهاء الأزمة، لتمكين المواطنين من الالتزام بتوجيهات الحكومة الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا المستجد.

-  أصحاب العمل ورغم الخسائر التي لحقت بمنشأتهم، الا أنهم مطالبين من منطلق المسئولية الوطنية والمجتمعية في هذه الأوقات الصعبة، بحماية القوى العاملة وعدم اتخاذ إجراءات سريعة تتعلق بتسريحهم من العمل، للوصول الى تعزيز وإرساء مبادئ التكافل الاجتماعي والمحافظة على تماسك مجتمعنا ومنعه من الانهيار، في ظل الأزمات التي يعيشها شعبنا الفلسطيني.

-  إعفاء الشركات والمحلات التجارية وجميع الأنشطة الاقتصادية المتضررة، من الضرائب التي تفرضها الحكومة في فترة الأزمة، في مقابل وضع قرارات حكومية موجهة لأصحاب العمل تحد من تسريح العمال.

-  استحداث آليات حكومية تضمن للعمال ذوي الأجور المتدنية التعويض والاستدامة بما يوفر لهم حقوقهم المكفولة وفقاً للقانون، للتخفيف من الآثار الاقتصادية الناتجة عن مواجهة جائحة كورونا، من خلال المساعدات الدولية المخصصة لدعم الدول المتضررة من جرّاء مواجهتها لأزمة الجائحة الجديدة.

-  التنسيق بين الوزارات الحكومية والجمعيات والأطر النقابية ذات العلاقة بالعمال، من أجل حصر الفئات المتضررة في كافة القطاعات الاقتصادية، وتخصيص موازنة طارئة تقدم بشكل شهري على شكل معونات لحماية الفئات الأكثر تضرراً.

-  تأجيل كافة القروض المستحقة على أصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة لمدة 6 شهور وبدون أي فوائد او تبعات مالية.

-  ايقاف الخصومات البنكية المستحقة من رواتب الموظفين لمدة تحددها الجهات المختصة، وذلك للمساهمة في زيادة السيولة النقدية.

-  قيام وزارة التنمية الاجتماعية والقطاع الخاص وصناديق التكافل الوطنية بوضع العمال الفلسطينيين كأولوية في توزيع المساعدات المادية والعينية، بما يضمن توفير الاحتياجات لأسر العمال التي فقدت مصدر دخلها الوحيد ويشكل فرصة لتخفيف العبء على العمال بما يجعلهم أكثر استجابة للعزل المنزلي.

أنتهى


[1] تقرير صادر عن وزارة العمل حول الحد من التداعيات الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا .

[2] أ. صلاح أبو حصيرة - رئيس الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق السياحية

[3] تقرير منشور على موقع منظمة العمل الدولية صادر يوم الأربعاء 1 ابريل 2020 .

سجل في القائمة البريدية

تصويت

تم

تغريدات التويتر

تحميل تطبيق مؤسسة الضمير على الهاتف الذكي