الرسالة نت – خاص
تكشف المعطيات الحقوقية والطبية عن تصعيد خطير في سياسات إدارة السجون الإسرائيلية تجاه الأسرى الفلسطينيين، في ظلّ تحوّل منهجي نحو منظومة عقابية مركّبة لا تعتمد على العنف المباشر فقط، بل تمتد لتشمل الإيذاء الجسدي والنفسي والحرمان الطبي والإخفاء القسري، وصولًا إلى ما يصفه مختصون بـ“القتل البطيء”.
وتشير المعطيات الحقوقية والطبية الواردة خلال الأشهر الأخيرة إلى تحول خطير في سياسات الاحتلال داخل السجون، حيث لم تعد ترتكز على العنف المباشر فقط، بل باتت تقوم على منظومة عقابية متشابكة تهدف إلى الإخضاع والإيذاء الجسدي والنفسي وصولًا إلى القتل البطيء.
فقد كشفت منظمة “أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل” عن استشهاد ثمانيةٍ وتسعين أسيرًا فلسطينيًا منذ السابع من أكتوبر 2023، وهي وفيات جرى إخفاء ظروفها ومنع أي جهة حقوقية من الوصول إلى ملفاتها، في مؤشر واضح على اتساع ظاهرة الإعدام الطبي والتعذيب المفضي إلى الموت داخل المعتقلات.
وترافق هذا التصعيد مع خطوة شديدة الخطورة تمثّلت في مصادقة الكنيست بالقراءة الأولى على قانون الإعدام المخصص للأسرى الفلسطينيين، بما يعكس توجهًا رسميًا لتقنين التصفية الجسدية وتوفير غطاء قانوني لعمليات القتل داخل السجون.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه السجون الإسرائيلية ارتفاعًا غير مسبوق في التعذيب، وتكريسًا لسياسة الإخفاء القسري، واستهدافًا سياسيًا واسعًا عبر حملات اعتقال جماعية، فضلًا عن حرمان المرضى من العلاج، ومنع الصليب الأحمر من الزيارات، وتعميق العزل الانفرادي، واحتجاز آلاف المدنيين من سكان غزة خارج أي إطار قانوني.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن هذه الممارسات المتراكمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وتُظهر البيانات الإحصائية حتى 30 نوفمبر 2025 وجود أكثر من تسعة آلاف ومئتين وخمسين أسيرًا فلسطينيًا، بينهم ثلاثة آلاف وثلاثمئة وثمانية وستون معتقلًا إداريًا محتجزين بلا تهمة أو محاكمة، وما يزيد على ثلاثمئة وخمسين طفلًا، وخمسين أسيرة، من بينهن ثلاث عشرة معتقلة إداريًا وطفلتان، إضافة إلى أسيرة واحدة من غزة.
كما تضم السجون ألفًا ومئتين وخمسة محتجزين بموجب قانون “المقاتل غير الشرعي”، ونحو مئةٍ وعشرين أسيرًا محكومين بالمؤبد، إلى جانب مئات الأسرى المرضى، بينهم مصابون بأمراض خطيرة وأورام وحالات شلل. ويضاف إلى ذلك عشرة أسرى أُفرج عنهم مؤخرًا في غزة.
وتشير التقارير إلى توسع ظاهرة الاختفاء القسري بشكل لافت، إذ تُسجّل مئات الحالات المؤكدة، مع تقديرات بوجود آلاف المختفين، خصوصًا بين أسرى غزة الذين يُحتجزون في مواقع سرية ويُمنعون من الاتصال بذويهم أو المحامين.
وبعض هؤلاء ظهروا لاحقًا في حالات صحية حرجة بعد شهور من العزل والتعذيب، فيما يظل مصير عشرات آخرين مجهولًا، بينهم صحفيون وأطباء ومسعفون. وتعد هذه الأرقام الحد الأدنى نظرًا للمنع الكامل لوصول المؤسسات الدولية والحقوقية إلى مراكز الاحتجاز منذ بداية الحرب على غزة.
وخلال نوفمبر 2025 وحده، سُجلت أربعمئة واثنتا عشرة حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس، من بينهم اثنان وعشرون أسيرًا محررًا أعيد اعتقالهم، وأربعة عشر طفلًا، وامرأتان بينهما أكاديمية، إضافة إلى محامٍ ونائبين ورئيس بلدية وطبيبين ومصور صحفي وجريحين وإمام مسجد.
كما أصدرت سلطات الاحتلال ثلاثمئة وثمانية وثمانين أمر اعتقال إداري جديدًا أو مجدّدًا، في ما يُعد استخدامًا ممنهجًا للاعتقال الإداري كأداة للعقاب الجماعي.
أما على صعيد الشهداء داخل السجون، فقد بلغ عددهم منذ عام 1967 ثلاثمئة وثمانية عشر شهيدًا، منهم واحد وثمانون بعد السابع من أكتوبر 2023. وخلال نوفمبر 2025 استشهد الأسير محمد حسين محمد غوادرة، البالغ 63 عامًا من جنين، نتيجة حرمانه من العلاج رغم معاناته من أمراض مزمنة.
كما سلّمت سلطات الاحتلال جثامين ستة وأربعين أسيرًا إلى وزارة الصحة في غزة، وقد بدت على كثير منهم آثار تعذيب وإعدام ميداني، وسط شبهات حول سرقة أعضاء بعضهم، في دلالة واضحة على اتساع الاعتقالات العشوائية في القطاع واستخدام المدنيين كورقة ابتزاز سياسي.
وتبرز في سياق هذه الممارسات سلسلة من الانتهاكات الممنهجة، تشمل الحصار الطبي الذي يتسبب في الإعدام البطيء، ومنع الزيارات الإنسانية، والتعذيب الممنهج والعزل الانفرادي، إضافة إلى نشر مشاهد إذلال وتعذيب الأسرى، وتصريحات تحريضية صريحة من مسؤولين إسرائيليين كبار، بينهم وزير الأمن القومي، تدعو بصورة مباشرة إلى إعدام الأسرى.
وبحسب الخبراء في القانون الدولي، فإن هذه السياسات تمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، ولا سيما المواد 27 و32 و76 و91 و92، وترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما، كما تشكل خرقًا واضحًا لاتفاقية مناهضة التعذيب، بما يضع إسرائيل في مواجهة مسؤوليات قانونية دولية متصاعدة مع استمرار تدهور أوضاع الأسرى داخل سجونها.
الاختفاء القسري
وتُسجَّل مئات الحالات المؤكدة، مع تقديرات تشير إلى احتمال وصول العدد إلى الآلاف، خصوصًا بين أسرى غزة المحتجزين في مواقع سرية ومنعزلين عن العالم الخارجي.
• عشرات من أبناء غزة ما يزال مصيرهم مجهولًا
• من بينهم أطباء، مسعفون، صحفيون
• بعض المختفين ظهروا لاحقًا بحالات صحية حرجة بعد شهور من التعذيب والعزل
وتُعدّ هذه البيانات الحد الأدنى نظرًا للمنع الكامل لوصول المنظمات الدولية للمعتقلات، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المُعلن.
تعذيب ممنهج
قال حسن عبد ربه، المستشار الإعلامي لهيئة شؤون الأسرى والمحررين، إن واقع السجون الإسرائيلية يشهد تحولًا خطيرًا خلال العامين الماضيين، حيث باتت إدارة السجون تعتمد سياسة عقابية مركّبة تستهدف إرهاق الأسرى جسديًا ونفسيًا، وتتجاوز حدود الانتهاكات التقليدية إلى ممارسات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وفق القانون الدولي.
وأوضح عبد ربه لـ”الرسالة نت”، أن الكشف الأخير لمنظمة “أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل” بشأن استشهاد 98 أسيرًا فلسطينيًا منذ السابع من أكتوبر 2023 يعكس اتساع دائرة الإهمال الطبي والتعذيب المفضي إلى الموت، مؤكدًا أن إسرائيل لا تزال تخفي معلومات حساسة حول هؤلاء الشهداء وتمنع المؤسسات الحقوقية من الوصول إلى ملفاتهم.
وأشار إلى أن المصادقة على قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين بالقراءة الأولى في الكنيست تمثل خطوة خطيرة لتقنين التصفية الجسدية داخل السجون، وتكشف عن توجه سياسي واضح نحو تشريع العنف ومنح غطاء قانوني لعمليات القتل بحق الأسرى.
وأكد عبد ربه أن السجون تشهد ارتفاعًا في معدلات التعذيب والإخفاء القسري والاعتقال الجماعي، إلى جانب حرمان المرضى من العلاج منذ أكتوبر 2023، واستمرار منع زيارات الصليب الأحمر، وهي الإجراءات التي عززت حالة العزل الكامل للأسرى عن العالم الخارجي.
وأضاف أن البيانات المتوفرة حتى نهاية نوفمبر 2025 تكشف وجود أكثر من 9250 أسيرًا، بينهم الآلاف من المعتقلين الإداريين والأطفال والأسيرات والمئات من المرضى، مشيرًا إلى أن هذه الأرقام لا تمثل الحقيقة الكاملة بسبب الحظر المفروض على المؤسسات الحقوقية ومنعها من زيارة المعتقلات.
وقال إن الاحتلال يعمد إلى استخدام الاعتقال الإداري كأداة للعقاب الجماعي والاستهداف السياسي، وهو ما ظهر بوضوح خلال شهر نوفمبر الماضي الذي سُجّل خلاله أكثر من 388 أمر اعتقال إداري جديد أو مجدّد.
وتطرق عبد ربه إلى ملف الشهداء داخل السجون، مؤكدًا أن استشهاد الأسير محمد حسين محمد غوادرة نتيجة الحرمان من العلاج يعكس سياسة الإعدام الطبي التي تعتمدها إدارة السجون، خاصة أن الاحتلال سلّم خلال الفترة الأخيرة جثامين 46 أسيرًا ظهرت عليهم آثار تعذيب وإعدام ميداني.
وفي ختام تصريحه، دعا المستشار الإعلامي لهيئة شؤون الأسرى المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لوقف هذه الجرائم، وفتح تحقيقات دولية مستقلة في نظام الاعتقال الإسرائيلي، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات يعني اتساع دائرة الانتهاكات وتفاقم الأوضاع الإنسانية داخل السجون.
غرف معتمة!
قال علاء السكافي، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، إن أوضاع الأسرى الفلسطينيين، وخاصة أسرى قطاع غزة، وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة من الخطورة، حيث أصبح الإخفاء القسري جزءًا ثابتًا من منظومة الاعتقال الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، في ظل سياسات تستهدف طمس مصير المعتقلين ومنع أي تواصل مع العالم الخارجي.
وأوضح السكافي لـ”الرسالة نت” أن المؤسسة وثّقت مئات حالات الاختفاء القسري، إلى جانب مؤشرات قوية على وجود آلاف الأسرى المحتجزين في مواقع سرية لا يُسمح للأهالي أو المحامين أو المؤسسات الدولية بالوصول إليهم، مؤكدًا أن الاحتلال يستخدم هذه السياسة كأداة ضغط سياسي ووسيلة لإخفاء انتهاكات جسيمة بما في ذلك التعذيب.
وأشار إلى أن عددًا من المعتقلين الذين ظهروا بعد أشهر من اختفائهم بدت عليهم آثار واضحة للتعذيب الشديد وسوء المعاملة، وظهرت حالات صحية حرجة بينهم أطباء ومسعفون وصحفيون، وهو ما يعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها أسرى غزة داخل المعتقلات السرية.
وأكد أن منع الصليب الأحمر من زيارة الأسرى منذ بدء الحرب جعل البيئة داخل السجون أكثر إغلاقًا وعتمة، الأمر الذي منح إدارة السجون حرية كاملة في تعميق سياسات العزل والانتهاكات بعيدًا عن الرقابة الدولية أو الإنسانية.
وأضاف السكافي أن الإحصاءات المتاحة تشير إلى اعتقال أكثر من 9250 فلسطينيًا حتى نهاية نوفمبر 2025، بينهم أكثر من 1205 محتجزين استنادًا إلى قانون “مقاتل غير شرعي”، وهو القانون الذي يُستخدم بصورة أساسية ضد أبناء غزة ويمنح الجيش الإسرائيلي صلاحيات واسعة لاحتجاز المدنيين دون أي إجراءات قانونية.
وذكر أن الكشف عن استشهاد 98 أسيرًا منذ 7 أكتوبر 2023، وظهور جثامين 46 منهم في غزة وعليها آثار تعذيب وإعدام ميداني، يؤكد أن الاحتلال يتبع سياسة منظمة تستهدف قتل الأسرى أو إهمالهم طبيًا، مشيرًا إلى أن بعض الجثامين أظهرت علامات تُثير شبهات حول سرقة أعضاء المعتقلين.
وقال إن الاعتقالات الجماعية في الضفة وغزة خلال نوفمبر، والتي شملت أكاديميين وصحفيين وأطفالًا ونساءً، عكست تصعيدًا خطيرًا في استخدام الاعتقال كأداة للانتقام السياسي، لا سيما بعد تسجيل 412 حالة اعتقال خلال شهر واحد فقط.
وختم السكافي تصريحه بالتأكيد على ضرورة تدخل المجتمع الدولي لوقف الإخفاء القسري ومحاسبة المسؤولين عنه، مشيرًا إلى أن استمرار انتهاكات الاحتلال دون رقابة يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف الأسرى، ويجعل السجون الإسرائيلية بيئة خطرة ترتقي فيها الانتهاكات إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
https://alresalah.ps/p/309090