صادق الكنيست الإسرائيلي، أمس، بالقراءتين الثانية والنهائية، على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين من الضفة الغربية والأراضي المحتلة، المدانين بتنفيذ عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين، دون إمكانية حصول المحكوم عليهم بالإعدام على عفو أو تخفيف للعقوبة أو تغييرها بقرار سياسي، فيما وصف بـ«أحد أكثر قوانين عقوبة الإعدام تطرفًا في العالم»، حسب بيان لمنظمة العفو الدولية.
يوضح فتحي نمر، زميل السياسات في مؤسسة الشبكة، أن القانون ينص على إقرار عقوبة الإعدام لمن يحملون الجنسية الفلسطينية والإسرائيلية، ولكن هناك بندًا يجعل من الصعب تطبيقه على الإسرائيليين، وهو اشتراط أن يكون القتل بدافع قومي، و«يهدف لإنهاء دولة إسرائيل».
ينص القانون بحسب المحامي المختص بقضايا الأسرى في المحاكم الإسرائيلية، حسن عبادي، على الحكم بعقوبة الإعدام على من تصنف لائحة الاتهام الإسرائيلية تسببه في مقتل إنسان بإنه في إطار عمل إرهابي، وبذلك «يشترط القانون أن المتهم فلسطيني والضحية يهودية، وبذلك فهو ينتهك بشكل صارخ وعلني مبدأ المساواة أمام القانون، حيث يخلق تفريقًا في نص القانون بين من يحمل الجنسية الإسرائيلية ومن لا يحملها في ذات بنود الاتهام».
وفقا لنمر، «لن يسري القانون بأثر رجعي، حيث يبدأ سريانه من وقت إقراره»، وهو ما يؤكد عليه أيضًا عبادي، والمسؤول في هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين، كمال بني عودة.
يشير مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، علاء سكافي، إلى أن القانون الجديد سيطبق على من تطلق عليهم إسرائيل «مقاتلي النخبة»، وهم نحو 300 من أصل 1800 أسير فلسطيني من غزة، اعتقلوا منذ 7 أكتوبر 2023، ولم يُحالوا إلى القضاء، وهم رهن الاحتجاز إلى أجل غير مسمى.
ولن يُنفذ القانون الجديد قبل المصادقة عليه من قبل المحكمة العليا الإسرائيلية، وهي نفس المحكمة التي مررت قرارات سابقة بهدم منازل الفلسطينيين وسحب الجنسية الإسرائيلية، بحسب نمر.
قدمت، مساء أمس، مؤسسات حقوقية، بينها مركز عدالة، وأطباء لحقوق الإنسان، ومركز الدفاع عن الفرد «هموكيد»، وهي مؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية، إلى جانب نواب عرب في الكنيست، التماسًا للمحكمة العليا لإلغاء قانون إعدام الأسرى، حسبما يقول لـ«مدى مصر»، كمال بني عودة، المسؤول في هيئة الأسرى الفلسطينيين، من الضفة الغربية، مُضيفًا أن الالتماس اعتبر أن القانون يسلب الحق في الحياة ويفرض عقوبة قاسية ولا إنسانية، ويكرّس الإعدام شنقًا بشكل يستهدف الفلسطينيين تحديدًا.
ردًا على الالتماس، ألزمت المحكمة الإسرائيلية، حكومة الاحتلال بالرد، وأصدرت أمرًا احترازيًا ساريًا حتى 24 مايو المقبل، والذي يجمد بموجبه تنفيذ القانون، وفق أبو عودة، الذي أكد أن صياغة القانون تستثني فعليًا المستوطنين، وتسمح بتطبيقه على الفلسطينيين فقط تحت ذريعة ارتكاب «أعمال مقاومة».
وفق ما هو معمول به إسرائيليًا، يصبح القانون ساريًا بعد نشره في الجريدة الرسمية «رشوموت»، خلال مدة تتراوح بين ثمانية وعشرة أيام من إقراره النهائي في الكنيست، وذلك بعد توقيعه من رئيسي الدولة والكنيست، ورئيس الوزراء، إضافة لوزير الأمن القومي نفسه.
ــــــــــ
ويشمل القانون المقر في الكنيست مؤخرًا فرض العقوبة دون الحاجة إلى إجماع قضائي، وتنفيذ حكم الاعدام شنقًا بواسطة مصلحة السجون الإسرائيلية التابعة لوزارة الأمن القومي، خلال مدة محددة لا تتجاوز 90 يومًا من تاريخ صدوره. ولا يمنح القانون أي فرص لتخفيف الحكم أو تغييره بقرار سياسي أو قانوني لاحقًا.
عادة ما يكون للمحكمة خيار الاستناد إلى أحكام قانونية لإقرار تخفيف العقوبة، ومن غير المعتاد أن يُحظر ذلك، أو أن يُلغى شرط الإجماع القضائي، بحسب محام مختص في قضايا الإرهاب تحدث لـ«مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته.
كذلك، يشير مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، علاء سكافي، إلى أن بعض الإجراءات التي تم إقرارها في هذا القانون تخالف الأصول التشريعية الجنائية، خاصة فيما يتعلق بإلزام القضاة بالحكم بعقوبة الإعدام للمعتقلين. «هذا القانون في مجمله يفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة كافة لأنه عبارة عن أداة سياسية لشرعنة قتل المعتقلين الفلسطينيين، خاصة في ظل حالة التطرف في الحكومة الإسرائيلية».
ويشير بني عودة إلى أن هناك ثغرة في القانون، كون الضفة تقع ضمن أراضي محتلة، وبالتالي تخضع شؤونها، بما في ذلك الأسرى، لأوامر للحاكم العسكري الإسرائيلي وليس الكنيست، حسبما يؤكد عبادي، قائلًا إن صلاحيات التشريع وفرض القوانين والأنظمة في الضفة الغربية المحتلة من اختصاص قائد المنطقة في الجيش الإسرائيلي كحاكم فعلي وليس من اختصاص الكنيست قانونًا.
ـــــــــ
الحديث عن القانون بدأ من سنوات، بحسب نمر، وكان هناك استبعاد لتمريره داخل الكنيست، ولكن المجتمع الإسرائيلي زاد التوجه نحو اليمين بعد 7 أكتوبر 2023.
وهو ما يؤكد عليه صالح حامد، الأسير السابق في السجون الإسرائيلية، موضحًا أن قضية التصويت بالإعدام كانت تُطرح بشكل دوري داخل الكنيست، لكنها كانت تُفشل في كل مرة بسبب نقص الأصوات. غير أنه في الدورة الأخيرة، تم تمرير المشروع، الذي تقدمت به عضو الكنيست عن حزب القوة اليهودية، ليمور سون هارميلخ، بقيادة رئيس الحزب، ووزير الأمن القومي، إيتمار بن جفير، بواقع 62 صوتًا مقابل 48، بعد محاولات استمرت لأكثر من ثلاثة عقود لتشريع هذا القرار.
الباحث الفلسطيني في شؤون الأسرى، باسل فراج، يذكر أن الإعدام موجود مسبقًا في المنظومة الصهيونية ومن دون قانون. «لكن ما يجري هو تقنين السياسات الصهيونية»، يقول فراج، موضحًا أن بعد 7 أكتوبر 2023 بأيام، قتلت قوات الاحتلال أسيرًا يدعى عرفات حمدان، وكان يعاني من مرض السكري، وذلك نتيجة منع إبر الأنسولين عنه، ليفارق الحياة بعد يومين، فيما قتل أسرى آخرون نتيجة الاعتداء البدني.
كذلك يرى بني عودة أن القانون الجديد بمثابة إعلان عن «قانون إعدام صامت»، طبقته إسرائيل على الأسرى الفلسطينيين في سجونها مسبقًا، بقتل أكثر من مئة أسير فلسطيني منذ 7 أكتوبر 2023، عُرف منهم نحو 89، ما رفع حصيلة القتلى من الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية منذ عام 1967 إلى 367 أسيرًا، نحو ثلثيهم أعدموا عن طريق الضرب المبرح والتجويع والإهمال الطبي المتعمد.
يعمل النظام في إسرائيل، بحسب نمر، على إقرار قانون مختلف، وهو قانون المقاتلين غير الشرعيين، والذي يتضمن عقوبة الإعدام، ولم يجر البت فيه حتى الآن، وذلك لمحاكمة معتقلي يوم 7 أكتوبر 2023 بأقصى العقوبات. وكان وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، يوآف جالانت، أصدر بتاريخ 10 أكتوبر 2023، قرارًا يعتبر فيه المعتقلين من قطاع غزة، مقاتلين غير شرعيين؛ أي أنه ينفي بموجبه صفة أسرى الحرب عنهم ما يحرمهم من الحماية الدولية.
ويشير فراج بدوره إلى وجود تناغم دائم بين المحاكم الإسرائيلية وقوانين وقرارات الكنيست، وذلك رغم أن تلك المحاكم هي من تمنح الدولة الصهيونية صبغة ديمقراطية ليبرالية. ولكن بالوقت نفسه تعد هذه المحاكم جزءًا أصيلًا من البنية الاستعمارية الداعمة للنظام الصهيوني.
من جانبه، يؤكد حامد أن هذه السياسات لم تؤثر على نفسية الأسرى أو تثنهم عن تمسكهم بقضيتهم، مشيرًا إلى أن إسرائيل تمارس في الواقع ما هو أبشع من الإعدام، من خلال القتل اليومي في الشوارع والميادين، بما في ذلك القتل بحق الأطفال خارج إطار القانون.